معجزة الإسراء والمعراج من المعجزات العظيمة التي أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وأعلى بها شأنه، وكانت تخفيفاً لألم رسول الله وحزنه وما لاقاه من قومه من إعراض وأذى. وليس هناك تاريخ ثابت يحدد زمن حادثة الإسراء، والمهم هو أن نعلم أن رحلة الإسراء والمعراج وقعت يقظة لا مناماً، وكانت بجسده صلى الله عليه وسلم وروحه. وإن حادثة الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس لتؤكد هوية القدس الإسلامية، وتوجب على الأمة إخراج اليهود منه، ولا يتم ذلك إلا برفع علم الجهاد، أما طاولة المفاوضات فلن ترد حقاً ولن تردع عدواً، وإنما هي استهلاك إعلامي، وتخدير للشعوب، وتمييع للقضية.
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاًَ عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور وطبتم جميعاً أيها الآباء وأيها الإخوة الأعزاء وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني وإياكم في هذا البيت العامر على طاعته، أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك: (في ظلال الإسراء والمعراج)، وحديثي معكم سوف يتركز في العناصر التالية: أولاً: تاريخ وتحقيق. ثانياً: ولماذا الإسراء؟! ثالثاً: الأقصى الجريح. رابعاً: المعراج إلى السماوات العلى. وأخيراً: دروس وعبر من الأحداث. فأعيروني القلوب والأسماع، فإن هذا الموضوع من الأهمية بمكان.
أولاً: تأريخ وتحقيق: لقد اعتاد المسلمون -إلا من رحم الله جل وعلا من المحققين- أن يحتفلوا بذكرى الإسراء والمعراج في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، احتفالاً باهتاً بارداً لا يليق بمقام المصطفى صلى الله عليه وسلم. لقد اعتقد الكثيرون أن الإسراء كان في ليلة السابع والعشرين، والتحقيق أن العلماء قد اختلفوا اختلافاً كبيراً في يوم الإسراء، بل في شهر الإسراء، بل في سنة الإسراء!! قال السدي : كان الإسراء في شهر ذي القعدة. قال الزهري : كان الإسراء في شهر ربيع الأول. قال ابن عبد البر : كان الإسراء في شهر رجب. قال النووي: كان الإسراء في شهر رجب. قال الواقدي : كان الإسراء في شهر شوال. وفى قول آخر قال: كان في شهر رمضان. وقيل: كان الإسراء قبل الهجرة بستة أشهر، وقيل: كان الإسراء قبل الهجرة بتسعة أشهر، وقيل: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة، وقيل: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة وستة أشهر، وقيل: كان الإسراء قبل الهجرة بثلاث سنين، حكاه ابن الأثير، ومن ثم فإن اليوم والشهر والعام للإسراء لا يعلمه إلا الله. والتحديد للإسراء بيوم وشهر ضرب من المجازفة والتخمين، ولا دليل عليه من كلام الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، وربما يسمع الآن كثير من آبائي هذا الكلام ويعجب ويقول: كيف.. وقد احتفلنا السنوات الماضية بالإسراء ليلة السابع والعشرين؟! أقول: لو احتفل المصطفى وأصحابه والتابعون من بعد الأصحاب بذكرى الإسراء ليلة السابع والعشرين من شهر رجب في كل عام لعلم ذلك لنا ولنقل إلينا بالتواتر، فلما لم يحتفل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والأتباع من بعدهم بذكرى الإسراء، وجب علينا أن يسعنا ما وسع هؤلاء الكرام. فكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف، والتحقيق أن الإسراء كان بعد البعثة وقبل الهجرة من مكة زادها الله تشريفاً، وكان إلى المسجد الأقصى الجريح -خلَّصَه الله من أيدي إخوان القردة والخنازير- ثم من المسجد الأقصى إلى السماوات العلى كما سأفصل الآن بحول الله وقوته.
ثانياً: ولماذا الإسراء؟ وللجواب على هذا السؤال: قصة! إنها قصة طفل طهور كالربيع!! إنها قصة طفل كريم كالنسيم!! إنها قصة طفل نشأ في مكة في بيئة تصنع الحجارة بأيديها، وتسجد لها من دون الله جل وعلا! بل كان الواحد منهم يصنع إلهه من خشب، أو من نحاس، أو حتى من حلوى أو من تمر! فإذا ما عبث الجوع ببطنه قام ليدس هذا الإله الرخيص في جوفه ليذهب عن نفسه شدة الجوع! في هذه البيئة نشأ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فاحتقر هذه الأصنام، وأشفق على أصحاب هذه العقول، فترك هذه البيئة الشركية وانطلق بعيداً إلى قمة جبل النور.. إلى غار حراء؛ ليقضى ليله ونهاره في التأمل والتفكر والتدبر والتضرع. وفى ليلة كريمة يخشع الكون، وتصمت أنفاس المخلوقات، ويتنزل جبريل أمين وحي السماء لأول مرة على المصطفى صلى الله عليه وسلم على قمة جبل النور، ليضم الحبيب المصطفى ضمة شديدة وهو يقول له: (اقرأ) والحبيب يقول: ما أنا بقارئ، وجبريل يقول: (اقرأ) والمصطفى يقول: ما أنا بقارئ، وفى الثالثة: غطَّه حتى بلغ منه الجهد، وقال للحبيب: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[العلق:1-5] وانطلق الحبيب بهذه الآيات وفؤاده يرتجف، وفرائصه ترتعد، وجوارحه تضطرب، حتى وصل إلى السكن.. إلى رمز الوفاء.. إلى سكن سيد الأنبياء.. إلى خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها. وصل إلى هذه الزوجة العاقلة الصالحة التي استحقت أن يسلم عليها ملك الملوك من فوق سبع سماوات، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة : (أن جبريل نزل إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم فرأى خديجة وهي تقبل على المصطفى، وتحمل إناءً فيه إدام من طعام أو شراب، فقال جبريل: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت، فإن هي أقبلت فأقرئها السلام من ربها). عش مع هذا بقلبك وكيانك ووجدانك وجوارحك! امرأة تستحق أن يسلم عليها الملك من فوق سبع سموات! إن عبداً من العبيد لو أن هيئة مشبوهة قد كرمته ومنحته جائزة مشبوهة، من أجل تفوقه العفن النتن في مجال الفكر -زعموا- حيث لا أدب ولا فكر، فإنه يرفع على الأعناق وتشير إليه الأصابع، ويحتفى به على أعلى المستويات في هذه الأمة المسكينة التي خدعت على أيدي هؤلاء الذين انطلقوا ليقودوا الأمة على حين غفلة من أهل القيادة والريادة في هذه الأمة! (وأقرئها السلام من ربها ومني -أي: ومن جبريل- وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب، فلما أقبلت خديجة بَشَّرَهَا المصطفى بهذه البشارة وقال يا خديجة : ربك يقرئك السلام وجبريل يقرئك السلام!! -فماذا قالت خديجة البليغة العاقلة العالمة؟ هل قالت: وعلى الله السلام أم ماذا؟ قالت: إن الله هو السلام ومنه السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته). خديجة، عاد إليها النبي صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، وهو يقول: زملوني.. زملوني.. غطوني دفئوني، ضعوا علي الأغطية، فاستجابت خديجة ، حتى استيقظ الحبيب وقد هدأت نفسه، واستقرت جوارحه، وقال: (والله لقد خشيت على نفسي يا خديجة ، وقص عليه، فبشرته بهذه الكلمة الطيبة وقالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبداً) ... إلى آخر ما ذكرت، والحديث رواه البخاري وهو حديث طويل.
بعد أن نزل قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ[المدثر:1-2] انطلق الحبيب يدعو الناس سراً إلى الإسلام ثلاث سنين .. يدعو الناس إلى دين الله تحت السراديب. لماذا؟ لأن للأصنام جيوشاً غاضبة. إن هؤلاء القوم يقتتلون من أجل ناقة! فما ظنك بآلهة فسيذبحون لها آلاف النياق إن مُس جنابها على يد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم!
لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن أرض مكة صلدة قاسية لا تقبل بذرة التوحيد، وليست صالحة لتلقي الخير، انطلق الحبيب إلى الطائف يبحث عن أمل.. يبحث عن قلوب حانية لعلها تحمل هذا النور. انطلق الحبيب صلى الله عليه وسلم على قدميه المتعبتين، لا يركب الراحلة؛ لأنه لا يمتلك الراحلة إذ ذاك، تحت شمس محرقة تكاد تذيب الحديد والصخور والحجارة، وعلى رمال ملتهبة إذا ما انعكست عليها أشعة الشمس كادت أن تخطف الأبصار، وكل من ذهب إلى تلك البلاد في حج أو عمرة، يعلم طبيعة هذه البيئة وشدة حرارتها. انطلق الحبيب صلى الله عليه وسلم في هذه الجو وهو متعب يتألم، لاسيما وقد ازداد حزنه بموت زوجته خديجة وبموت عمه أبي طالب الذي كان حائطاً منيعاً لحملات المشركين في الخارج. انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وقد امتلأ قبله بالحزن مشياً على الأقدام، لا يريد مالاً ولا يريد جاهاً ولا يريد وجاهة، إنما يريد لهؤلاء خيري الدنيا والآخرة، ولكن أهل الطائف فعلوا بالمصطفى ما لم يكن يتوقع، وما لم يكن يخطر بباله، فلقد سلطوا عليه الصبيان والسفهاء فرموه بالحجارة حتى أدمي الحبيب المصطفى بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم. إنه المؤيد بمدد السماء.. إنه المؤيد بوحي السماء.. تلقى عليه الرمال، ويلقى عليه التراب، ويقذف بالحجارة حتى يسيل الدم الطاهر من جسده صلى الله عليه وسلم، وحتى ألجأه الصبيان والسفهاء إلى بستان لبني ربيعة، وهنالك رفع أكف الضراعة إلى الله كما في الحديث وإن كان شيخنا الألباني قد ضعفه، إلا أن الحديث قد رواه الإمام الطبراني وقال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجاله ثقات ما عدا ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وقد رأيت شاهداً آخر يقوي هذا الحديث عند ابن إسحاق موصولاً وكلاهما يقوي بعضهما الآخر، ولا بأس أن أستشهد به لا أن أستأنس به. لجأ الحبيب إلى الله بهذه الدعوات الصادقة، فقال: : (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس! يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربى، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمنى؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟! إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، ألا تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).
وهكذا ... عاد المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يحمل في قلبه هموماً وأحزاناً.. دعوة.. مطاردة..خديجة ماتت..أبو طالب مات.. أصحاب مشردون في الحبشة.. أمر جلل! والمصطفى صلى الله عليه وسلم يحمل كل هذه الهموم وهو في طريقه إلى مكة يسمع نداءً كما في الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة فيلتفت فإذا جبريل في سحابة في السماء ينادي على المصطفى ويقول: (يا رسول الله! إن الله جل وعلا قد سمع ما قاله قومك لك، وهذا ملك الجبال أرسله الله إليك فمره بما شئت. يقول المصطفى: فسلم علي ملك الجبال وقال: السلام عليك يا محمد! فرد النبي عليه السلام، فقال ملك الجبال: يا محمد! مرني بما شئت، لو أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت) والأخشبان: جبلان عظيمان بمكة، يقال للأول: أبو قبيس، ويقال للثاني: الأحمر. هذا ملك الجبال يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يحطم هذه الجماجم الصلدة، وهذه الرءوس العنيدة المتكبرة الكافرة المتحجرة، ووالله لو كان المصطفى ممن ينتقم لنفسه.. ممن ينتقم لذاته.. ممن يثأر لمنصبه.. ممن يثأر لمكانته، لأمر المصطفى ملك الجبال، ولحطم ملك الجبال هذه الرءوس ولسالت الدماء ليرى أهل مكة دماء أهل الطائف في مكة، ولكنه ما خرج لنفسه.. ما خرج لذاته، إنما خرج لله: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ[يوسف:108] لا إلى جماعة بعينها، ولا لزعامة، ولا لمنصب ولا لقيادة ولا لريادة ولا لشهرة ولا لجاه: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ). أيها الأحباب! دعوكم من هذه العصبيات المنتنة للجماعات، وللثارات وللرايات، وليس معنى ذلك: أنني أنكر صحة العمل الجماعي، وإنما أقول: شتان بين العمل الجماعي الذي هو أصل من أصول الدين، وبين التعصب لجماعة بعينها تعصباً بغيضاً أعمى، يصم الآذان عن سماع الحق، ويعمي الأبصار عن رؤية الدليل ولو كان واضحاً كالشمس في وضح النهار! (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ). أيها الأحباب! لو كان المصطفى صلى الله عليه وسلم ممن يدعو لنفسه ولذاته؛ لأمر ملك الجبال فحطم ملك الجبال تلك الرءوس والجماجم ولسالت الأودية أنهاراً من الدماء حتى يرى أهل مكة دماء أهل الطائف بمكة ... لكن: ماذا قال الحبيب نهر الرحمة وينبوع الحنان؟! قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لا، بل إنني أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله جل وعلا) أي: من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً ... إنها الرحمة! وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ[الأنبياء:107] .. وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ[آل عمران:159] وهذا نصر من الله للمصطفى صلى الله عليه وسلم، وما إن وصل الحبيب إلى مكة زادها الله تشريفاً إلا ورأى كرامة أخرى له من الله عز وجل .. ليرى جبريل في انتظاره؛ ليأخذه إلى هذه الرحلة المباركة.. إلى رحلة الإسراء والمعراج، وكأن الله عز وجل قد أراد أن يقول لحبيبه المصطفى: يا رسول الله! إن كان أهل مكة وأهل الطائف قد رفضوك فإن رب السماء والأرض يدعوك! يا محمد! لا تظن أن جفاء أهل الأرض يعني جفاء السماء، بل إن الله يدعوك اليوم ليعوضك بجفاء أهل الأرض حفاوة أهل السماء. الله أكبر! يرجع الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى بيت أم هانئ -لنجمع بين الأحاديث وبين الروايات إذ لا تعارض بينهما كما قال الحافظ ابن حجر- فيأتيه جبريل فيشق البيت ليأخذ المصطفى صلى الله عليه وسلم من بيت أم هانئ إلى الحجر، أو إلى الحطيم في بيت الله الحرام، ثم بعد ذلك تبدأ رحلة الإسراء بشق صدر المصطفى، والحديث متفق عليه. يشق جبريل صدر النبي عليه الصلاة والسلام، وأنتم تعلمون أنه قد شق صدره قبل ذلك وهو غلام صغير حينما كان في ديار بني سعد عند مرضعته حليمة السعدية رضي الله عنها، يشق صدره وبعدها تبدأ الرحلة المباركة.
ورد في صحيح مسلم من حديث أبي ذر أنه صلى الله عليه وآله وسلم: (حينما قال له أبو ذر : يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أولاً؟ فقال الحبيب المصطفى: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما، قال أربعون سنة، قلت: ثم أي؟ قال: ثم حيث أدركتك الصلاة فصل فالأرض كلها مسجد). وكما في الحديث الآخر واللفظ لـمسلم من حديث أنس : (أتيت بالبراق) وبكل أسف قرأنا عن البراق هذا، وسمعنا ما يستحي الإنسان أن يردده الآن في أمة ينبغي أن تحترم علمها وقرآنها ونبيها وعقلها. سمعنا أن له عرفاً كالديك، وأن له أجنحة.. وأن.. وأن.. وأن..! البراق بنص الحديث الصحيح، قال عنه المصطفى: (دابة) وحدد النبي لونه فقال: (أبيض) وحدد صفته، فقال: (فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه) له سرعة مذهلة! وقف الحافظ ابن حجر عند قوله: (البراق) فقال: البراق من البريق. أي: من اللمعان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حدد لونه بالبياض، وقال: البراق من البرق، والبرق ضوء. وهذا هذا هو البراق أيها الأحباب! وورد عند الترمذي، والإمام أحمد في المسند، وعبد الرازق في مصنفه، والبيهقي في السنن من حديث أنس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انطلق ليركب البراق استصعب عليه، فقال جبريل للبراق: ما حملك على هذا؟ والله ما ركبك أحد من خلق الله أكرم على الله منه -أي: من محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم-)، والحديث رواه أحمد والترمذي وعبد الرزاق في المصنف والبيهقي في السنن وهو صحيح على شرط الشيخين. ركب النبي صلى الله عليه وسلم البراق وانطلق من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في هذه الرحلة الجميلة وعنصر الإعجاز في رحلة الإسراء الأرضية هو الزمن، إذ كيف انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المسجد الأقصى في زمن قليل؟! وهذا الذي أنكره المشركون في مكة، فقالوا: نضرب لها أكباد الإبل شهراً من مكة إلى بلاد الشام، وأنت تقول: بأنك انطلقت من مكة إلى المسجد الأقصى إلى السماوات العلى وعدت في جزء من الليل! يقول الله: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا[الإسراء:1] و(ليلاً) عند علماء اللغة، أي: في جزء من الليل ولم يقل: ليلة، ولنقل إن الإسراء قد استغرق ليلة بكاملها لا، بل استغرق جزءاً من الليل: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[الإسراء:1]. وختمت الآية بقوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) وكان من السياق: (إنه على كل شىء قدير)، (إنه عزيز حكيم) ليظهر عظمته وقدرته، وإنما قال (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) أي: الذي سمع قول قومك لك، ورأى فعل قومك بك فأراد أن يكرمك وأن يشرفك. والإسراء معجزة ليست تأييداً للدعوة وإنما هي تأييد في المقام الأول لصاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم. أيها الأحباب! إننا أمام معجزة فريدة، ليست تأييداً للدعوة بقدر ما هي تأييد لصاحب الدعوة، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.
(لأمانة العرض تم قص جزء من هذه الخطبة فى هذا الباب)
No comments:
Post a Comment